الفيض الكاشاني
72
أنوار الحكمة
كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله ، لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا . لا يقال : « كان بعد أن لم يكن » ، فتجري عليه الصفات المحدثات ؛ ولا يكون بينه وبينها فصل ولا له عليها فضل ، فيستوي « 1 » الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبدع والبديع . خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ؛ وأنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، ورفعها بغير دعائم ، وحصّنها من الأود « 2 » والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج ؛ أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها « 3 » ، واستفاض عيونها ، وخدّ أوديتها ؛ فلم يهن ما بناه ، ولا ضعف ما قوّاه ؛ هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، وهو الباطن لها بعلمه ومعرفته ، والعالي على كل شيء منها بجلاله وعزّته ؛ لا يعجزه منها شيء فيطلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه ؛ خضعت الأشياء له وذلّت مستكينة لعظمته ، لا تسطيع الهرب من سلطانه إلى غيره ، فتمتنع من نفعه وضرّه ؛ ولا كفؤ له فيكافئه ، ولا نظير له فيساويه ؛ هو المفني لها بعد وجودها ، حتّى يصير موجودها كمفقودها . وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها ؛ وكيف و « 4 » لو اجتمع جميع حيوانها - من طيرها وبهائمها ، وما كان من مراحها وسائمها ، وأصناف أسناخها وأجناسها ، ومتبلّدة أممها وأكياسها - على إحداث بعوضة ، ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ، ولتحيّرت عقولها في علم ذلك وتاهت ، وعجزت قواها وتناهت ،
--> ( 1 ) مل : ويستوي . ( 2 ) هامش ر : أود - كفرح - : اعوج . ( 3 ) هامش ر : اسداد جمع سد - بخطه . ( 4 ) مل : - و .